المقدمة
على الرغم من مرور أكثر من أربع مائه عام على استخدام الشيك حيث استخدم لأول مرة في بنهاية القرن السابع عشر في إنجلترا، ،إلا انها ما زلت تحتل القمة او قريبا منها فيا القطاع المالي والاقتصادي بين مثيلاتها من الأوراق المالية او الأدوات المالية التي تستخدم في نقل النقود، في إنجاز المعاملات المالية، على الرغم من وجود آليات وفاء إلكترونية وحديثة، مثل بطاقات الصراف الآلي والبطاقات الائتمانية وغيرها من الحلول المصرفية الحديثة وخير دليل على أهمية الدور الذي تلعبه هذه الورقة ستعرض احصائيات البنك المركزي الاماراتي كمثل على هذا الدور والمبينة بالجدول أدناه و المتعلقة بالشيكات المقدمة للصرف والشيكات المرتجعة عن الأعوام 2012 و2011 و[1]2010 نجد الأرقام التالية:
السنة | عدد الشيكات المقدمة للصرف | قيمة الشيكات المقدمة للصرف | عدد الشيكات المرتجعة | قيمة الشيكات المرتجعة |
2012 | 29,016,032 | 1,169,155,032,338.0 | 1,447,707 | 46,851,548,503.4 |
2011 | 28,499,858 | 1,219,003,518,373.00 | 1,583,015 | 55,337,963,265.71 |
2010 | 27,990,056 | 1,026,957,291,130.71 | 1,752,913 | 56,093,139,170.22 |
الجدول رقم (1)
الأصل في الشيك أنه أداة وفاء مستحقة الأداء بمجرد الاطلاع [2]، وهذا ما نصت عليه اتفاقية إصدار قانون موحد للشيكات الصادرة سنة 1931 بجنيف [3]، وهذا يعني بالضرورة إلى أن الشيك هو أداة للوفاء بالدين وليس منشئاً له أو ضامناً له، إلا أن الأزمة المالية التي عصفت بالعالم أكمل ومنها الإمارات العربية المتحدة، أزاحت الغطاء عن تعاملات مالية وقفت ورائها البنوك والمؤسسات المالية المختلفة، حيث استخدم فيها الشيك كأداة ضمان للقروض الممنوحة للأفراد على وجه التحديد، وذلك بغرض الاستفادة من الحماية الجزائية الممنوحة للشيك .
انطلاقا مما سبق ونظرا لأن الشيك يستخدم من قبل الغالبية العظمى من مواطني وساكني الإمارات العربية المتحدة، لتيسير معاملاتهم التجارية منها أو المدنية، ونظرا لأنه قد يتفق صراحة أو ضمناً بين أطراف الشيك (الساحب، والمستفيد) على إصدار الشيك بغير الغاية التي نظمها القانون وهي كونه أداة وفاء، واستخدامه كأداة ضمان، وما لذلك من أثر كبير على الطبيعة القانونية للشيك الذي نظمه المشرع الإماراتي تحديدا من جه، والحاجة إلى إيجاد بديل وتشريع يغطي الحاجة التي تدفع بالأطراف إلى استخدام الشيك كأداة ضمان بدلا من كونه أداة وفاء، وعليه فإننا نرى أهمية البحث تتجلى بالأسباب التالية :
1. الشيك يستخدم على نطاق واسع بالإمارات العربية المتحدة على وجه الخصوص والبلاد العربية على وجه العموم، وبالتالي فإن نتائج هذ البحث تعد ذات قيمة كبيرة خاصة لآلئك الذين يجبروا أو يوافقوا على استخدام الشيك بغير أغراضه التي شرع من أجلها.
2. تعدد الأحكام القضائية الصادرة من مختلف المحاكم العربية تحديداً المصرية منها والإماراتية حيث تفاوتت وتباينت تلك الأحكام على الرغم من تشابه الوقائع القانونية محل النظر.
ولهذا فإن هذا البحث يهدف إلى دراسة بعض الصور التي يكون فيها الشيك أداة ائتمان، من خلال المنهج التأصيلي والتحليلي بشكل أساسي، إضافة الى المنهج الوصفي والتاريخي، والمقارن أحيانا،والخروج بتوصيات آملين بإذن الله أن تكون معتبرة في المجال التشريعي أو القضائي بدولة الإمارات العربية المتحدة.
الفصل التمهيدي
في النشأة التاريخية للشيك وتطوره
يقسم هذا الفصل إلى:
المبحث الأول: النشأة التاريخية للشيك والأوراق المالية وأسباب ظهورها.
المبحث الثالث: الشيك في الاتفاقيات الدولية اتفاقية جنيف قانون الشيك الموحد لسنة 1931.
المبحث الثالث: لمحة عن الكمبيالة والسند الأذني
المبحث الأول
النشأة التاريخية للشيك والأوراق المالية وأسباب ظهورها
الحاجة أُم الاختراع، كثيراً مما نستخدمه اليوم كان نتاج حاجات إنسانية أثمر التفكير بتغطيتها إلى اختراعات واكتشافات يسّرت من الأمور المعيشية للإنسان، ومما لا يخفى على أحد أن النقود كانت من أعظم ابتكارات البشر، التي سرّعت من وتيرة الحياة وسهلت من انتقال السلع والخدمات وتبادلها، إلا أنها لم تأتي وليدة لحظة معينة بل كانت تطور طبيعي مع تطور حاجات البشر.
نظراً لتواجد الإنسان بجماعات ارتبطت بمكان جغرافي معين فإن نظام تبادل السلع والخدمات قبل النقود كان قائما على المقايضة[4]، حيث أن كل فرد كان يقايض ويستبدل الخدمات والسلع التي يحتاجها مع الآخرين بما تخصص من إنتاجه من سلع أو خدمات، ولكون حاجات الإنسان كانت بسيطة وغير معقدة نجح هذا النظام بتسيير أمور الحياة في ذلك الوقت، إلا أن النمو الاقتصادي وتوسع المجتمعات وتعددها وصعوبة نظام المقايضة في اشباع حاجة الشخص إلى السلع والخدمات أدى إلى البحث عن ذلك البديل، ونضرب مثلا أن شخصا ما ينتج القمح ويريد أن يقايضه برأس من الماشية، فإن الصعوبة تتأتى من البحث عن شخص يملك ماشية ويحتاج إلى القمح، ولهذا فإن صعوبة إيجاد التوافق بين رغبات الأفراد، و صعوبة تجزئة كثير من السلع وإيجاد معيار تقاس به قيم تلك السلع والخدمات، وصعوبة تخزينها، وصعوبة إيجاد مقياس للدفع المؤجل، كلها أدت إلى اشتداد حاجة الإنسان إلى تطوير نظام المقايضة وإيجاد بديل يلاقي قبولا عند غالبية الناس، مما أدى إلى اختراع النقود، والتي مرّت بمراحل تدريجية انتقلت بها من نظام المقايضة إلى شكلها الحالي [5].
إن أكثر التعريفات انتشارا وقبولا للنقود هي التعريف الذي يستند إلى وظائفها "فالنقود : هي ما تفعله أو تؤديه"[6]، وبالتالي ووفقا لذلك فإن النقود هي أداة لتبادل السلع والخدمات لكونها الأكثر قبولا على الإطلاق.ومن الجدير ذكره أن النقود تطورت كذلك تدريجيا، فحاجة المجتمع إلى إيجاد بديل أكثر قبولا كان السبب وراء هذا التطور، فقد استخدم الاغريقيون الماشية كبديل للنقود [7]، وذلك لأنها كانت أكثر قبولا واحتياجا لدى معظم أفراد المجتمع، ويذكر أن الهنود الحمر استخدموا التبغ كنقود، والمصريون استخدموا القمح، لأن هذه السلع كانت موضع طلب مزدوج، وسهلة التجزئة نسبيا، وصالحة للبقاء، وعُرف هذا النظام بنظام "النقود الحسابية"[8].
وبتطور حاجات الأفراد وفقا لتوسعهم وتمددهم وازدياد المعاملات تعقيدا، وبتزامن ذلك مع اكتشاف المعادن، أوجد ذلك سبيلا لتسهيل عملية انتقال وتبادل السلع والخدمات، فاستخدم النحاس والفضة والذهب والقصدير والزنك كنقود، ومن أهم أسباب استخدام المعادن قابليتها للحمل والتخزين والندرة النسبية، واستقرار المعروض منها، الأمر الذي ينعكس في ارتفاع قيمتها التبادلية واستقرارها.[9]
وكان الذهب الأكثر استخداما ولهذا تربع على عرش النقود، إلا أن صعوبة وزنه وتقدير قيمته كانت عائقا كبيرا أمام الأفراد، كون كل فرد يجب أن يحمل ميزان لقياس كمية الذهب، ونظرا لتزايد هذه الصعوبة، نشأ ما يعرف بسبك النقود بما يقارب سنة 600 قبل الميلاد، ويعرف بأنه "قيام إحدى الهيئات بتحويل السبائك المعدنية النفيسة إلى قطع موحدة ذات وزن وعيار معين، بحيث يظهر ذلك الوزن والعيار على وجه كل قطعة ".[10]
واستمر الوضع على هذا الحال بتطور مستمر، إلى أن تم استخدام النقود الورقية بأواسط القرن السابع عشر، ومع ذلك فالمعادن بقيت تستخدم حتى أواخر عام 1914[11]،
إن تطور النقود من نظام المقايضة إلى المعادن ومن ثم إلى أوراق نقدية كان مفيدا للبشرية جمعاء، بل ومن أعظم ما ابتدعت البشرية، إلا أنه فرض تحديات كثيرة، ومن تلك التحديات هو تخزين تلك النقود بمكان آمن، ونقل تلك النقود إلى مستحقيها سواء إلى من يبيعون السلع والخدمات أو غيرهم، ومجددا الحاجة تفرض تطوير نظاما لحماية تلك النقود.
اعتادت المجتمعات الأوروبية في القرن السابع عشر، أن يعهدوا بأموالهم ونقودهم المعدنية والورقية إلى بعض الصاغة أو الصيارفة أو التجار، الذين يملكون خزائن حديدية بحسب طبيعة عملهم، ويودعونها لديهم لحمايتها من الضياع أو السرقة مقابل مبلغ نظير تلك الخدمات، وكان التجار أو الصاغة أو الصيارفة يصدرون شهادة إلى المودع "شهادة اسمية " يتعهدون فيها برد ما أودع ليديهم بمجرد الطلب، ومع استخدام هذه الشهادة وذيوعها بين الأفراد، تخلوا عن حمل الذهب والمعادن والنقود واكتفوا بتظهير تلك الشهادة إلى بعضهم البعض كوسيلة لنقل الملكية، ومع زيادة الثقة بهؤلاء التجار والصيارفة والصاغة وغيرهم وزيادة الطلب على مثل هذه الخدمات، بدأ المودع لديهم بإصدار شهادات لحاملة حيث يكتفي بأن تنتقل ملكيتها بحيازتها دون حاجة للتظهير.[12]
وبالتالي كانت تلك الأوراق مغطاة بنسبة 100% بمقابل ذهبي أو عملات، وأخذت هذه النسبة تقل إلى أن وصل الغطاء النقدي إلى 50%، وبدأت أول محاولة إلى إصدار النقود الورقية سنة1656 عندما أصدر مصرف استكهولم في السويد سندات ورقية، وبنك إنجلترا في سنه 1964، هذا أدى بدورة جزئيا إلى توسع التجارة الخارجية، ولما أصبح احتياطي الذهب لا يكفي لتغطية تلك العملات الورقية نظرا لاتساع انتشارها، أوقفت المصارف الصرف بالذهب، وإن استمر مكونا لجزء من غطاء أوراق النقد المصدرة، وكان يسمى الغطاء المعدني، وأصحبت النقود الورقية الغير قابلة للصرف تستند قيمتها إلى قوة الإبراء العام، التي يضفيها القانون عليها، كذلك إن فقدانها للصفة السلعية أو القيمية الذاتية لا يضعف مكانتها، وعلى هذا استمر العمل بهذا الأمر إلى أن ولد دور البنك المركزي من رحم تلك المعاملات، وعهد إليه وحده بإصدار تلك الأوراق النقدية دون غيره.[13]
فالشيك تطور جنبا إلى جنب بتطور الأوراق النقدية، بل هو مرحلة من مراحل تطور الأوراق النقدية، بالفترة التي كانت تنتقل الودائع اما بتظهير الشهادة او لحاملها، واستمر الشيك والأوراق المالية الأخرى كأدوات لنقل النقود من مكان إلى اخر ومن ذمة الساحب إلى المستفيد، ولهذا كان لابد من توضيح الفرق بين الأوراق النقدية والأوراق التجارية من النواحي الاتية :
1. الجهة المصدرة: البنك المركزي او من ينوب عنه بحكم القانون من يصدر النقود، اما الأوراق التجارية فتصدر من اشخاص ويكون ناتجه عن علاقة مالية تجارية او مدنية، كذاك فإنها تصدر بفئات محددة وبأرقام متسلسلة، وتصدر وتستمد قوتها مقابل الاحتياط النقدي او الغطاء النقدي او الميزان التجاري للدولة، اما الأوراق التجارية تستمد ثقتها من قوة المصدر او الساحب او من الثقة المالية فيه.
2. قوة الالزام: يلزم جميع مواطني الدولة على التعامل بالأوراق النقدية الخاصة ببلد معين بحكم القانون، اما الأوراق التجارية فلا قوة الزامية على استخدامها.
3. الوفاء: الوفاء في العملة النقدية يتم بمجدر التسليم، اما بالأوراق التجارية فلا تبرأ ذمة المدين الا بتحصيل قيمة الورقة التجارية.
4. التقادم: الأوراق النقدية لا تتقادم بمرور الزمن، لكن الأوراق التجارية لها مدة تقادم صرفي ومدد تقادم دعوى المطالبة بالحق كذلك.
5. الطبيعة: الأوراق التجارية هي وسيله لنقل الأوراق النقدية من مكان إلى اخر، فمحلها أوراق نقدية او مبالغ مالية مقيمة بقيمة الأوراق المالية، اما النفود فهي المحل الذي تتضمنه الأوراق التجارية.
في حين راي البعض أن الشيك نشا بإنجلترا في نهاية القرن السابع عشر وانتقل إلى فرنسا في القرن التاسع عشر ونظمه المشرع الفرنسي بأول قانون سنة [14]1865،إلى ان تم تنظيمه دوليا بجنيف سنة 1931 بثلاث اتفاقيات وهذا موضوع المبحث الثاني، الا ان البعض الاخر ذهب إلى ان نشأة الأوراق المالية غير معروفة سواء بالقرن الثاني عشر او في القرون الوسطى [15]، ومما لاشك فيه كانت الكمبيالة اولى تلك الأوراق نشأة ثم تبعها الشيك والسند الاذني.
ان ما يهمنا بالتعرض لنشأة الشيك، وغيرها من الأوراق التجارية والأوراق النقدية، هي اظهار الحاجة الإنسانية إلى ابتكار أدوات مالية لنقل أموالهم وحمايتها، وكان مما لا شك فيه ان الثورة الصناعية، التي أجبرت التجارة إلى التوسع خارج الحدود الإقليمية الأثر الأكبر، على المصارف والبنوك وعلى الاقتصاد بشكل عام إلى التطور، وكانت تلك الأوراق المالية من مظاهر ذلك التطور.
المبحث الثاني
الشيك في الاتفاقيات الدولية اتفاقية جنيف قانون الشيك الموحد لسنة 1931
يمكن وصف اتفاقية جنيف لسنة 1931 كانت اول تجمع دولي على نطاق واسع لتوحيد قواعد الصرف على المستوى الدولي، وقد سبق تلك المحاولة عدة محاولات تعددت ما بين الإقليمي إلى الدولي، نذكر منها الاتفاقية التي عقدت بين الدول الاسكندنافية سنة 1897[16]، واستمرت الجهود الدولية حثيثا نحو توحيد قواعد الصرف في قانون موحد، وكانت احدى تلك المبادرات مؤتمر لاهاي سنة 1910 و 1912، والذي حالت الحرب العالمية الأولى دون ان تتحول تلك الاتفاقية إلى النظم القانونية الدولية، اللهم بعض الدول التي تبنت ما اتفق علية ذلك المؤتمر مثل تركيا [17]، واستمر الامر على ذلك النحو حتر سنة 1931 إلى حين توقيع اتفاقية جنيف، التي انتجت ثلاث اتفاقيات دولية على الوجه التالي:
1. الأولى: خاصة بالشيك ذاته.
2. الثانية: خاصة بتنازع القوانين بمسائل الشيك.
3. الثالثة: خاصة برسوم الدمغة على الشيك.
واخذت بأحكم تلك الاتفاقيات معظم الدول العربية، وكان الهدف من اتفاقية جنيف تفادي الصعوبات الناجمة عن الاختلافات في القوانين السارية في البلدان التي يتداول بها الشيك، ومن ثم في توفير المزيد من الأمان والحافز لعلاقات التجارة الدولية [18]، وقد نظمت اتفاقية جنيف جميع المسائل المتعقلة بالشيك وأقرت مبادئ كثيرها وندرج تاليا اهم ما احتوت علية اتفاقية جنيف بنظرنا لإصدار قانون موحد للشيك على النحو الاتي :
1. البيانات الإلزامية للشيك وذكر كلمة شيك بالسند.
2. يجب ان يكون المسحوب علية مصرف.
3. قواعد واحكام تظهير الشيك.
4. يكون الشيك مستحقا للسداد بمجدر النظر بغض النظر عن أي شرط مخالف.
5. أنواع الشيكات الشيك المسطر والغير قابل للتداول.
المبحث الثالث
لمحه عن الكمبيالة والسند الاذني
الأوراق المالية وجدت لتؤدي وظائف مختلفة في مجملها تهدف إلى تسهيل المعاملات المالية، الا ان اهم وظيفتين لتلك الاوراق هما:
1. الوظيفية الائتمانية: وهي التامين وضمان سداد الديون.
2. وظيفة الوفاء: هي ايفاء قيمة الدين.
الأصل في الشيك انه يختص بالقيام بوظيفة الوفاء، ذلك ان اتفاقية جنيف لإصدار قانون موحد للشيك لسنة 1931، نصت صراحة بالمادة 28"يكون الشيك مستحقا للسداد بمجرد النظر، ويغض الطرف عن أي شرط مخالف"[19]، وكثيرا من البلدان العربية اخذت بهذا الاتجاه، ومن الشروط المخالفة وجود تاريخ مستقبلي على الشيك، مما يعني بالضرورة سقوط الاجل بالشيك وصرفه بمجرد الاطلاع ومثل هذه الصفة تسقط عنه وظيفة الائتمان والضمان لسداد الديون او القروض وهذا مأسوف نتعرض له تفصيلا في الفصل الأول.
كون الشيك يختص بوظيفة الوفاء، فإن المشرع قد افرد لوظيفة الائتمان أدوات واوراق مالية أخرى تؤديها بالإضافة إلى وظيفة الوفاء، وتلك الأوراق أشهرها الكمبيالة والسند الاذني وقد ذكر المشرع الاماراتي بالمادة 479 من قانون المعاملات التجارية رقم 18/1933 "تشمل الأوراق التجارية الكمبيالة والسند الاذني والسند لحامله والشيك وغيرها من الأوراق المحررة لأعمال تجارية والتي يجري العرف على قبولها كأداة وفاء في المعاملات"، ولن تتوسع في بحثنا هذا بدراسة تلك الأوراق المالية وسوف نكتفي بتعريف الكمبيالة والسند الاذني والقواعد العامة بشأنهما .
فقد عرف المشرع الاماراتي الكمبيالة ب "الكمبيالة (سند السحب) ورقة تجارية تتضمن امرا من الساحب إلى المسحوب عليه بأن يدفع مبلغا معينا من النقود بمجرد الاطلاع او في تاريخ معين او قابل للتعيين لاذن المستفيد" [20]، وفي المادة رقم 481 من ذات القانون عرف المشرع الاماراتي السند الاذني بي "السند الأذني ورقة تجارية بمقتضاها يتعهد محررها بأن يدفع مبلغا معينا من النقود بمجرد الاطلاع او في تاريخ معين او قابل للتعيين لإذن شخص آخر هو المستفيد."[21]، ومما يستحق ذكرة انه وفي المادة 595 من ذات القانون أحال المشرع الاماراتي إلى تطبيق مواد القانون الخاصة بالكمبيالة على الشيك بالقدر الذي لا تتعارض فيه مع ماهيته .
وعلى الرغم من القدر الذي أولاه المشرع الاماراتي وباقي المشرعين العرب للكمبيالة، لكن الملاحظ على ارض الوقع ان الكمبيالة لاستخدم بشكل واسع على الاطلاق، وان الشك هو صاحب السيادة في ميدان الأوراق المالية والمعاملات التجارية والمالية المختلفة وهذا ما ينطبق على السند الاذني حيث يندر التعامل بهما بالسوق الاماراتي، وقد تكون العقوبة الجنائية والحماية الجزائية للشيك، هي السبب الذي دفع بالكثيرين إلى تفضيله على بقية الأوراق المالية.
وما يهمنا من تعرضنا للكمبيالة والسند الاذني، هو كون المشرع اعتبرها أدوات ضامنة او قد تؤدي وظيفة الائتمان، كما يمكن ان تكون أداة وفاء كذلك، بالإضافة إلى ان المسحوب علية بالكمبيالة قد لا يكون بنك وقد يكون شخصا طبيعيا، وهذا مالا يجوز بحالة الشيك، بالإضافة إلى ان المشرع أحال إلى مواد الكمبيالة لتكون محلا للتطبيق بالقدر الذي لا يختلف مع طبيعة الشيك.
الفصل الأول
الوفاء
يقسم هذا الفصل إلى:
المبحث الأول: وظيفة الشيك كأداة وفاء.
المبحث الثالث: شروط الوفاء المبرئ للذمة.
المبحث الثالث: ارتباط وظيفة الشيك كأداة وفاء بالنظام العام
المبحث الأول
وظيفة الشيك كأداة وفاء
كما قدمنا انفا فإن الشيك يتميز بوظيفة أساسية ميزة المشرع بها عن باقي الأوراق التجارية وهو انه أداة وفاء، ان الشيك والحاجة الاقتصادية لوجوده، كان سببا من أسبابها، سرعة تنفيذ الالتزامات او الوفاء بها، واستنادا إلى مبادئ الإنسانية وحرية الانسان، فانه لا يجب ان تستمر ذمة الفرد مشغولة بتلك الالتزامات إلى الابد، وعلية فان لابد لها من إطار زمني تنقضي به وتبرا ذمة المدين، ومن طرق براءة الذمة الوفاء بالالتزامات سواء عن طريق التنفيذ العيني، او التنفيذ بمقابل او بطريق التعويض.
وعلية فإن الشيك يؤدي وظيفة التنفيذ العيني لتلك الالتزامات او قد يكون تنفيذا لتعويض تقرر على تلك الالتزامات، وفي الحالتين هو تصرف قانوني يشترط لصحته وحتى يعتبر مبرئا للذمة توافر الشروط الواجبة لصحة التصرف القانوني وهي محل المبحث الأول لاحقا.
وحتى ندرك أهمية وظيفة الشيك كأداة وفاء، وبالتالي معرفة لماذا خصه المشرع بهذه المزية، نضرب مثلا المعاملات المالية التي تمت بدولة الامارات العربية المتحدة لسنة 2012 [22] حيث تجاوزت تلك التعاملات حاجز الترليون درهم، نفذت بواسطة أكثر من 29 مليون شيك قدمت للصرف، ان هذا الرقم له ارتباطات اقتصادية، واجتماعية وسيادية، اقتصادية كون كثيرا من تلك المعاملات كان محلها عقود تجارية مرتبطة بشركات وبمؤسسات حكومية وخاصة، وتنفيذا لعقودها الميرمية فقد تلقت تلك الشيكات كإدة للوفاء بها، مما يعني ان مدخولها ورواتب موظفيها وعملياتها تعتمد على تحصيل القيمة النقدية لتك الشيكات، لتستطيع تمويلها وتتقدم بأعمالها.
واجتماعية كون الشيكات المرتجع والتي بلغت قيمتها لذات العام اكثر من 46 مليون درهم، مرتبطة بتلك الشركات والمؤسسات وبموظفيها، وبالأشخاص مصدري تلك الشيكات، وبالتالي فإن دفع رواتبهم ومعاشاتهم قد يتعلق بتحصيل قيمة تلك الشيكات، والاثر السلبي لعدم دفع تلك الرواتب على المستوى العائلي والاجتماعي، مما قد يترتب علية التخلف بتنفيذ بعض او كثيرا من الالتزامات، الامر الذي يوثر ويؤدي بشكل او باخر لرفع القصايا المدنية والجنائية، امام محاكم ومراكز شرطة الدولة، هذا بالإضافة إلى ان كثرة الشيكات المرتجعة تضفي عدم الثقة بهذه الأداة مما يؤثر سلبا على النظام المصرفي الذي نرتبط معظمنا او جميعنا برابط معين فيه، ومثل هذا الخلل يؤدي بالتبعية إلى التخوف من اتخاذ خطوات استثمارية او تجارية يكون لها اثر بكيان الدولة الاقتصادي، وهذه الارتباطات السيادية .
ولك هذا، فإن المشرع ميز هذه الأداة عن غيرها بان تكون أداة وفاء للالتزامات، تسريعا وتسهيلا لحركة الاقتصاد، ذلك ان الاقتصاد قائم على السرعة بتنفيذ العقود والسرعة بالتعاقد، وسرعة التعاقد تستوجب السرعة بالتنفيذ وتدعيما لهذه السرعة، فإن البنك المركزي الاماراتي، قد الزم جميع البنوك على ان أي شيك يقدم إلى البنك قبل الساعة التاسعة صباحا يجب ان تحصل قيمته بنفس اليوم او يعرض للمقاصة بنفس اليوم، الامر الذي يرتب علية نقل قيمة النقدية بنفس اليوم إلى حساب المستفيد، مما له الأثر الكبير على إنعاش قطاعات الدولة المختلفة الصناعية والعقارية والمالية التي أساسها ثقة المتعاملين بتلك الورقة، وتأكيدا على هذا الدور فإنه شرع النصوص القانونية الجزائية التي تحمي هذه الورقة التجارية، من التلاعب او عبث العابثين بها وجرم اصدار الشيك بدون رصيد او اصدار شيك بطريقة تمنع صرفه.
ولهذا فإن الشيك، هو بالأصل ليس منشأ للدين، وانما هو ينقضي به الدين، وان كان المشرع اوجد بدائل من الأوراق التجارية التي تقوم بهذا المقام مثل الكمبيالة والسند الاذني والسند لحاملة، وان كانت تقوم في بعض الأحيان بعمل أداة الوفاء الا ان الشيك تميز عنها بانه أداة وفا خالصه، وهذا لا ينفي عنه ان يكون سند دين بحال لم يتم تحصيل قيمته لأسباب تعود لأي من أطراف الشيك الساحب او المسحوب علية او المستفيد، ذلك ان الشيك ان لم يتم صرفة فإنه يصلح لأثبات دين ودليلا على عدم تنفيذ الالتزام عينيا او بمقابل، الا ان هذه الوظيفة لاحقة على انشاء الشيك او يمكننا القول بانها وظيفة ثانوية وليست الأساسية لتشريع هذه الورقة .
فالوفاء الناتج عن الشيك هو نقل النقود من ذمة المدين إلى ذمة الدائن بشكل فوري[23]، ذلك ان الشيك يقوم مقام النقود، ولهذا ولارتباط المعاملات التجارية بالسرعة فإن القانون حدد مدد قانونية للتقادم الصرفي في الشيك، ويقصد به المدة الزمنية التي يجب ان يقدم بها الشيك للصرف من قبل البنك المسحوب علية، والعقوبات المترتبة على اصدار شيك بطريقة تمنع صرفة كلها تصب في نفس الوعاء وهو التأكيد على أهمية هذه الورقة التجارية بإنهاء المعاملات التجارية .
وبما ان الوفاء بالالتزام هو تصرف قانوني فلابد لنا من التعرض لشروط الوفاء الصحيح المبرئ للذمة كون ان الشيك هو الأداة التي تقوم او ينفذ بها هذا التصرف وهذا موضوع المبحث الثاني.
المبحث الثاني
شروط الوفاء المبرئ للذمة
من المعلوم ان مصدر الحق هو القانون، والقانون عندما شرع تلك الحقوق فإنه شرعها استنادا إلى وقائع قانونية، التي يكون سببها اما وقائع طبيعة سببها الطبيعة، او قد تكون من عمل الانسان وتسمى وقائع اختيارية[24]. والواقعة القانونية: هي كل فعل مادي يقع بسبب الطبيعة او بسبب الانسان وينتج عنه أثر قانوني، وإذا كان بسبب الانسان فإنه قد يكون فعلا ماديا او تصرفا قانونيا (اراديا)[25].
وبتطبيق ذلك على الوفاء، فإن الوفاء ليس واقعه طبيعية، أي حدثت بفعل الطبيعة بشكل مستقل عن تدخل الانسان، واحدثت اثرا قانونيا، وانما نتجت عن تصرف الانسان وبالتالي وبمفهوم المخالفة فهي واقعه اختيارية، الا ان السؤال الذي يثار هنا هل هي عمل مادي ام تصرف قانوني.
العمل المادي هو كل فعل نتج عن الانسان واحدث اثرا قانونيا، أي لا اعتبار لإرادة الانسان في اتجاهها لإحداث ذلك الأثر، وانما يعتد بالفعل المادي ذاته والاثر الذي انتجه، ويعتبر مصدرا للالتزام ويقسم إلى الفعل الضار والفعل النافع أي الاثراء بلا سبب او العمل الغير مشروع، اما التصرف القانوني فهو اتجاه إرادة الانسان إلى احداث أثر قانوني، سواء اكانت بتوافق ارادتين مثل العقد، او بالإرادة المنفردة مثل التبرع، ولعل الفرق الجوهري بينهما بين العمل المادي والتصرف القانوني الإرادة، فهي محل اعتبار بالتصرف القانوني ولا يترتب الأثر القانوني الا اذا كانت إرادة صحيه وغير معيبة، وهذا لا يشترط بالعمل المادي حيث تتحقق الاثار بمجرد وقع الفعل المادي.
وبالتالي فإن الوفاء، ومما لا شك فيه انه تصرف قانوني، ذلك انه يحث بإرادة الانسان، وسببه اما تنفيذ عيني او تنفيذ بمقابل لتصرف او لأثر قانوني سابق، أي بمعنى اخر فهو أثر او لاحق على التزام سابق، سواء اكان ذلك الالتزام ارادي او لا ارادي، وعليه حتى يكون منتجا لأثارة القانونية يجب ان تتوافر فيه شروط لصحته، وهذا ما تبناه المشرع الإماراتي في نصوص قانون المعاملات المدنية، واشترط عدة شروط لصحة الوفاء وحتى يكون مبرئا للذمة ونص على " يشترط للبراءة من الدين أن يكون الموفي مالكا لما أوفى به، وإذا كان المدين صغيرا مميزا أو كبيرا أو معتوها أو محجورا علبه لسفه أو غفلة ودفع الدين الذي علبه صح دفعه ما لم يلحق الوفاء ضررا بالموفي"[26]، وبناء على كل ذلك فلا بد من توافر شروط حتى يكون الوفاء صحيحا ومبرئا للذمة ندرجها على الوجه الاتي :
1. ان يكون الموفي “المدين" مالكا لما اوفى به.
2. ان يكون بالغا عاقلا راشدا وان ان يكون صغيرا مميزا او كبيرا معتوها او محجورا علية لسفه او غفلة ولم يضار من ذلك الوفاء.
3. ويصح الوفاء من المدين او من الغير ذو مصلحة او من الغير من ليس له مصلحة اذا لم يعترض المدين على ذلك الوفاء[27] .
4. يكون الوفاء للدائن او نائبة او أي شخصا اخر يقدم مخالصة من الدائن للمدين الا ذا اشترط ان يكون الوفاء للدائن نفسه[28].
5. يجب ان يكون الدائن كامل الاهلية والا فإن الدين لا يصح الا لولية، ولو هلك الدين محل الوفاء بيده فإن للدائن الرجوع على المدين [29].
6. في محل الدين يجب ان يتم الوفاء بالدين ذاته إذا كان معيننا الا بموافقة الدائن.
ولهذا سوف نستعرض بشكل موجز بعض تلك الشروط، وهي:
1. أهلية الالتزام بالشيك
2. الرضا وسلامة الإرادة من العيوب.
3. المحل
4. السبب
اولا: أهلية الالتزام بالشيك:
الاهلية تعني الصلاحية [30]، وتقسم إلى أهلية أداء واهلية وجوب، واهلية الوجوب هي صلاحية الفرد للتمتع بالحقوق وتحمل الواجبات التي يقررها القانون، اما أهلية الأداء فهي صلاحية الشخص لصدور العمل القانوني منه على وجه يعتد به شرعا أي صلاحية الشخص لمباشرة التصرفات القانونية[31].
وعلية فإن الاهلية التي بتطلبها القانون هي أهلية أداء لإصدار الشيك او الالتزام بها وهو ما أكد علية المشرع الاماراتي[32]، في نصوص قانون المعاملات التجارية، ويسري على القاصر المأذون طالما ان التصرف وقع ضمن الاذن، ما يسري على البالغ لسن الرشد من دون ان يكون قد شاب رضاة أي عيب من عيوب الإرادة، او محجورا لسفة او غفلة او مجنونا.
ثانيا : الرضا وسلامة الإرادة من العيوب:
عيوب الرضا، هي الإكراه وعرفها قانون المعاملات المدنية الاماراتي[33]: الإكراه هو إجبار الشخص بغير حق على أن يعمل عملا دون رضاه ويكون الإكراه ملجئ أو غير ملجئ كما يكون ماديا أو معنويا.، ومن عيوب الرضا التغرير وعرفة قانون المعاملات المدنية الاماراتي ب: هو أن يخضع أحد المتعاقدين الآخر بوسائل احتيالية قولبة أو فعلبة تحمله على الرضا بما لم يكن ليرضى به بغيرها، بالإضافة إلى الغبن والغلط، وهذه العيوب، تعطي الحق للمدين ان يتمسك بها بمواجه المستفيد الأول فقط ذلك ان التظهير يطهر الدفوع ولا يحتج بها تجاه الحامل حسن النية [34] .
ثالثا المحل :
المحل هو محل الالتزام بالشيك، وهو مبلغ من النقود ولا يتصور ان يكون غير ذلك، وعلية فإن ذلك المبلغ يجب ان يكون محدد المقدار
السبب :
هذا الركن سوف نتطرق له بشيء من التفصيل لاحقا بمحلة، ولكن ما نود توضيحه هنا بان السبب كغيرة من الشروط السابقة لا يجوز، الاحتجاج به تجاه الحامل حسن النية، واتجاه الحامل بالتظهير، ذلك ان التظهير يطهر الدفوع، ويصعب تحري السبب إذا لم يذكر بالشيك، وبالتالي قواعد الاثبات هي الكفيلة بهذا الشأن.
المبحث الثالث
ارتباط وظيفة الشيك كأداة وفاء بالنظام العام
كما قدمنا انفا، فإن الشيك هوة أداة وفاء مستحقة الدفع بمجرد الاطلاع، ورتب القانون عقوبات وجزاء للتأكيد على وجوب احترام هذه الأداة، ولكن السؤال الذي يثور هل وظيفته كأداة وفاء مرتبطة بالنظام العام، هل يجوز الاتفاق بين الأطراف الساحب تحديدا والمسحوب علية على اعتبارها أداة ائتمان لضمان دين معين؟
ان الجواب لهذا السؤال يتطلب منا أولا تعريف النظام العام، يعرفه الدكتور عبد الرزاق السنهوري "تعتبر القاعدة القانونية من النظام العام إذا قصد بها إلى تحقيق مصلحة عامه، سياسية او اجتماعية او اقتصادية، تتعلق بنظام المجتمع الأعلى، وتعلو على مصلحه الافراد "[35]، والنظام العام يتميز بالنسبية الزمانية والمكانية، فما يعتبر في بلد انه من النظام العام فإنه قد لا يعتبر في بلد اخر من النظام العام، ونضرب مثلا على النسبية المكانية القمار فهو مشروع في بعض الدول، وغير مشروع في بعضها الاخر، اما زمانيا فنضرب مثلا العبودية كانت مشروعه فيما مضى، الا انه ومع التطور الإنساني فإن العبودية اصبحت شيئا من التاريخ وجرمتها مختلف القوانيين والاتفاقات الدولية .
ولكن هل يجب ان ينص على النظام العام وكون هذه القاعدة تتعلق بالنظام العام وبالتالي عدم الاتفاق على مخالفتها، بنصوص القانون، ام انه قد يستفاد من طبيعة العلاقة بين التصرف او الفعل ومدى ارتباطه بالنظام العام، بالطبع لا يشترط ذكر كل ذلك بالنصوص التشريعية فالنصوص التشريعية هي كاشفة لها وليست منشأه[36]، وبالتالي عدم ذكر النص على تجريم او منع فعل ميعن لا يعني اباحة هذا الفعل، على الرغم من ان المبدأ العام القائل الأصل بالأشياء الاباحة، الا ان ارتباطها بالنظام العام يعتبر قيد على تلك الاباحة العامة.
ان ارتباط التصرف بالمصلحة العامة للأفراد والدولة، يحدد مدى قانونيتها من عدمها بمعنى اخر مشروعيتها من عدمه فيما إذا اتفق الافراد على مخالفتها، وتطبيقا لذلك هل يجوز الاتفاق على اعتبار الشيك انه أداة ائتمان وليس أداة وفاء، وقيما إذا أخرجنا الشيك عن تلك الطبيعة فهل تبقى اثارة القانونية محل اعتبار
لابد لنا بهذا الصد ان نتعرض إلى مبدأ الكفاية الذاتية للشيك، ويقصد به استيفاء الشيك للشكل القانوني الذي تضمنه مواد قانون المعاملات التجارية حتى يظل خاضعا لنصوصها، وفي حال فقدانه لاحد تلك البيانات فإنه يتحول إلى سند عادي ويخضع للقواعد العامة بقانون المعاملات المدنية، وبما ان ليس موضوع البحث التعرض إلى البيانات الإلزامية والاختيارية في الشيك بشكل تفصيلي الا اننا سوف نتعرض لها بالقدر الذي نرى انه يتناسب واغراض البحث.
نصت المادة 596[37] على البيانات الاتية التي يجب ان تتوافر بالورقة حتى تسمى شيكا وتخضع لأحكام النصوص الناظمة لها:
1. لفظ شيك مكتوبا في متن الصك، وباللغة التي كتب بها.
2. امر غير معلق على شرط بوفاء مبلغ معين من النقود.
3. اسم من يلزمه الوفاء (المسحوب عليه.
4. من يجب الوفاء له او لأمره.
5. مكان الوفاء.
6. تاريخ انشاء الشيك ومكان انشائه.
7. توقيع من أنشأ الشيك (الساحب).
وعلية فاذا خلا السند من أي من البيانات السابقة لا يعتبر شيكا، ولا تترتب علية الحماية القانونية الواجبة للشيك، مع الاخذ بعين الاعتبار الاستثناء بالمادة 597 [38]، والمتعلقة بمحل الوفاء او مكان إنشاء الشيك، فإن توافر تلك البيانات باي سند يعد شيكا، واستنادا إلى مبدأ الكفاية الذاتية، فإن الحق ينشأ عن الورقة ذاتها ويرتبط بالورقة ذاتها ولا يستند إلى أي اتفاق او تعاقد سابق على وجود الورقة[39]، كما ان الحق يرتبط بالورقة ذاتها ولا ينتقل الا بانتقال الورقة، وان الدائن لا يستطيع المطالبة به الا ذا ابرز الورقة، والمدين لا يلتزم بوفائه الا اذا سلمة الدائن الشيك، وان مضمون الالتزام الصرفي يتحدد بما نصت علية الورقة، كذلك يجب تفسير عبارات الورقة تفسيرا ضيقا دون البحث عن نية الموقع الحقيقية [40]،
ارتباط الوفاء بالشيك هو ارتباط وثيق، تطور عبر السنون ليصل إلى النصوص التي صاغته ووفرت الحماية القانونية والتشريعية لهذا الغرض، الا ان أيا من تلك النصوص لم يشير بشكل صريح ا إلى ان الشيك هو أداة وفاء، وانما يفهم من تلك النصوص هذه الوظيفة وذلك من خلال ما يلي:
1. مبدأ الشيك مستحق الوفاء بمجرد الاطلاع: ذهب معظم المشرعين في الدول العربية إلى تبني هذا المبدأ -باستثناء ما ذهب الية المشرع الاماراتي وهو محل بحث في الفصل الثالث – وهذا أيضا ما نصت علية اتفاقية جنيف لإصدار قانون موحد للشيك[41]، فإن النص على ان الشيك مستحق الوفاء بمجرد الاطلاع يثبت بما لا يدع مجالا للشك بان الشيك أداة وفاء، وهذا يعني ان كان هناك تاريخ على الشيك فليس له قيمة وتسقط كل الآجال ويدفع بشكل فوري، الا من وجود بعض للاستثناءات التي أوردها المشرع المصري بخصوص الشيكات التأمينية.
2. العقوبة الجزائية: ان اصدار شيك بدون مقابل وفاء قائم وقابل للصرف، او اصدار شيك بطريقة تمنع صرفه هو جريمة، رتب المشرع عليها عقوبة، وهدف تلك العقوبة هو التأكيد على أهمية الشيك بانه يقوم مقام النقود بالمعاملات المالية والتجارية، وان هذه الحماية الجزائية لم يقرها المشرع لغيرها من الأوراق التجارية.
3. مبدأ الكفاية الذاتية: وهو ما أسلفنا وأشرنا اليه سابقا، فحيازة الشيك وتقديمة للوفاء يعطي الحق لحاملة ان يستوفي قيمته او المستفيد من استيفاء قيمته من المسحوب علية الذي لا يحق له منع صرفه إذا استوى الشيك جميع البيانات الإلزامية.
لكل ما ذكر فإن الغرض الرئيس لتشريع الشيك هو كونه أداة وفاء، وجد ليقوم بهذا الدور، لكن هل هذه الوظيفة هي مرتبطة بالنظام العام وبالمصالح العليا للدولة ومصالح الافراد، ام هل يجوز الاتفاق على مخالفتها، وكيف يكون شكل الاتفاق على مخالفتها؟
ان الاتفاق على مخالفة تلك الوظيفة للشيك قد يكون صريحا او قد يكون ضمنيا، فيكون صريحا عند النص على ذلك بشكل صريح بمستند مستقل او على الشيك نفسه بانة أداة ائتمان وليس وفاء، وقد يكون ضمنيا بحسب طبيعة المعاملة بين الساحب والمستفيد او أطراف المعاملة، مثلا عندما يعطي شخص اخر شيك ليس بقصد تحصيل قيمته وانما اثبات لحسن نيته، اننا نرى بان وظيفة الوفاء هي مرتبطة بالنظام العام، والاتفاق على مخالفتها يعد باطلا ولا يفقد الشيك صفته الوفائية، وذلك للأسباب الاتية:
1. المشرع نظم الشيك كورقة مالية وافرد لها عقوبة جزائية، وهذا لم يكن لأي من الأوراق المالية الأخرى، مثل الكمبيالة التي تتشابه مع الشيك بكل شيء، باستثناء انها ليست مستحقة الأداء بمجرد الاطلاع، وكلمة كمبيالة على صدر السند، ذلك ان وظيفة الكمبيالة مختلطة فهي تصلح لان تكون وفاء او وظيفة ائتمان، وهذا لم يكن للشيك ولو أراد المشرع الشيك كأداة ائتمان لشرع النصوص الناظمة له.
2. ان التعرض لنشأة وتطور الشيك، وكون وظيفته الاقتصادية هي نقل النقود، والوفاء بها للدائن، وحماية لتلك النقود التي تمثل عملة الدولة من السرقة او التلف وغيرها، فأوجدت الحاجة الإنسانية هذه الأداة وبالتالي فهي تقوم مقام النقود، ومما لاشك فيه فإن النقود هي من سمات وعلامات سيادة الدولة وترتبط بها، لابل انه افرد كل مشرع مواد كثيرة تعاقب على المساس بالاقتصاد الوطني وبعملة الدولة، وان كان المشرع قد اعتبر النقود من النظام العام فإنه اعتبرها كذلك ليس لذاتها وانما للغاية والوظيفة التي تقوم بها، والتي صكت من اجلها، والشيك ليس ببعيد عنها حيث انه يقوم مقامها، ويعتمد علية بنقل النقود من مكان إلى اخر بشكل امن ومن ذمة المدين إلى الدائن، فذا قام مقامها فإنه ينطبق علية ما ينطبق على النقود، مالم يستثنى منها بنصوص مخصصة لبعض المميزات ونذكر منها بانه لا يجوز اجبار الدائن على قبول الشيك للوفاء بديونه.
3. التقادم الصرفي: وهو عدم جواز تقديم الشيك للصرف من المسحوب علية بعد مرور مدة زمنية محددة، وهذا ما يتماشى مع طبيعته كأداة وفاء.
ولهذا فإن الشيك وجد ليقوم مقام النقود بالمعاملات، وان اخراج هذه الورقة عن هذه الوظيفة يعد باطلا ولا يفقده الحماية القانونية التي وفرت له بنصوص قانون المعاملات التجارية وقانون العقوبات، وانه وبهذا الفرض يكون عقوبة لكل شخص يحاول ان يستغل الشيك بغير ما ذهب الية المشرع.
الفصل الثاني
الائتمان
يقسم هذا الفصل إلى:
المبحث الأول: وظيفة الشيك كأداة ائتمان.
المبحث الثاني: تطبيقات استخدام الشيك كأداة ائتمان والاثار المترتبة على ذلك
المبحث الأول
وظيفة الشيك كأداة ائتمان
يطلق تعبير شيك الضمان على الشيكات التي تستخدم بغير غرض الوفاء، ويعرف الضمان لغة بانة " ضَمِنَ الشيء بالكسر ضَمَاناً كفل به فهو ضَامِنٌ" [42]،كما يعرف الائتمان لغة ب " الأمَانُ و الأمَنةُ بمعنى وقد أمِنَ من باب فهم وسلم"[43]،وبناء علية يمكننا ان نعرف شيك الضمان :بانة الشيك الذي يحرر بغرض ضمان التزام المدين بالوفاء بما التزم به، ولا يكون بغرض تقديمة للوفاء بشكل مباشر ".
انشرت مؤخرا وخصوصا بعد ان توسعت البنوك بعمليات الإقراض، ان تحتفظ البنوك بشيكات محررة من دون تاريخ من المقترض لصالحها، بغرض زيادة الضمانات على المبلغ المقترض، بحيث ان المقترض يلتزم بالسداد خوفا من العقوبة الجزائية، او انها تقدمة للصرف لاستيفاء حقها ان كان هنالك رصيد، فهي بهذا الامر تخفف من اعبائها المالية والإدارية باللجوء للقضاء المدني، وكما انها تسرع بعملية السداد للمبلغ المقترض، الا ان هذا النوع من الشيكات لم يقتصر على البنوك فقط وان كان أوسع انتشارا هنالك، الا انه كثيرا ما يستخدم الشيك لضمان تنفيذ معاملات، بدلا من ان يستخدم للوفاء بمعاملات .
ولنطلع على حجم المشكلة بشكل افضل، وشقنا الفرض الاتي ان اصدار شيك من دون رصيد فعل غير مجرم بالقانون، هل سوف يبقى شيك الضمان بنفس الانتشار؟ مما لا شك فيه ان استخدامه كشيك ضمان سوف ينعدم، مالم يكن الغرض هو ضمان مؤقت لغرض استيفاء الدين وعلية فيمكننا القول ان هناك نوعين من شيكات الضمان بحسب المدة الزمنية ما بين اصدار الشيك وتقديمة بغرض الوفاء، او استكمال اركان جريمة اصدار شيك بدون رصيد او بطريقة تمنع صرفه:
1. شيك ضمان يقصد منة تهديد المدين بعقوبة الشيك، حيث يقوم بإصدار شيك موقع على بياض قبل الحصول على القرض.
2. شيك ضمان قصير الاجل يقصد منة تحصيل قيمته بعد مدة من الزمن تزيد على مدة التقادم الصرفي.
ان الشيك لا يجوز تقديمة للصرف للمسحوب علية بعد مرور مدة زمنية معينة، وهي ما يسمى بالتقادم الصرفي، وبما ان الحقوق والالتزامات وضع لها المشرع مدد زمنية مختلفة للتقادم، فليس من العدل ان نبقى مدينا ما ملتزما بالتزامه طوال عمرة، فهذا خروج على المبادئ العامة للعدالة وحقوق الانسان.
الا ان الامر الجدير بالمناقشة، هو لماذا يحاول البعض اخراج الشيك عن غرضة ووظيفته الأساسية، هل هناك قصور بالتشريع وسن ضمانات من قبل المشرع لإنجاز المعاملات وحفظ الحقوق، لماذا تلجأ البنوك إلى استخدام شيك الضمان، على الرغم من ان القانون ضمن لها جميع الوسائل والضمانات لحمايتها وتحصين ديونها واستردادها، ام ان هناك اختلاف حول وظيفة الشيك ان أداة وفاء، واستغلت أطراف الالتزام هذا الاختلاف واستخدموا لشيك كأداة ضمان، لا يمكننا الجزم أيا من تلك الأسباب كان هو صاحب الدور الأساسي بإخراج الشيك عن مسارة، ولكن يبدوا ان كلا منها ساهم بشكل معين للوصل إلى استخدام الشيك كأداة ضمان .
وفي معرض مناقشتنا للمشرع الاماراتي، نرى انه وبمقتضى المادة 617 من قانون المعاملات التجارية قد تخلى عن مبدأ ان الشيك مستحق الصرف بمجرد الاطلاع، بل اعتد بالتاريخ الظاهر على الشيك، وهذا كان له دور كبير بمراعاة مصالح الافراد والتطور الاقتصادي، وتيسير البيع بالتقسيط، وهذا سوف نتعرض له تفصيلا لاحقا، ويبدوا ان تور الامارات العربية المتحدة السريع، كان قد احتاج وجود هذه المادة في نصوصه.
المبحث الثاني
تطبيقات استخدام الشيك كأداة ائتمان والاثار المترتبة على ذلك
ان تطبيقات استخدام الشيك كأداة ائتمان وضمان للالتزامات تطبيقات متعددة، ونظرا لعدم اتساع المكان للتوسع خلال هذا البحث فإننا سوف نكتفي ببعض صور استخدام الشيك كأداة ضمان:
1. الشيك الموقع على بياض: قد يقوم المدين بإصدار الشيك وتوقيعه على بياض وتسليمة للدائن.
2. الشيك المكتمل البيانات والمرفق بعقد او بمستند يثبت انه تم تحريره بغرض تنفيذ التزام.
أولا: الشيك الموقع على بياض:
وهو الشيك الذي يحتوي على توقيع الساحب على الشيك، مع عدم تكملة البيانات الأخرى كلها او بعضها وتسليمة للدائن، بالرجوع إلى اتفاقية جنيف[44]، وإلى قانون المعاملة التجارية الإماراتية [45]نجد ان الشيك الذي يخلو من البيانات الاتية فهو يفقد صفته كشيك[46]:
1. لفظ شيك مكتوبا في متن الصك، وباللغة التي كتب بها
2. امر غير معلق على شرط بوفاء مبلغ معين من النقود.
3. اسم من يلزمه الوفاء (المسحوب عليه.
4. من يجب الوفاء له او لأمره
5. مكان الوفاء
6. تاريخ انشاء الشيك ومكان انشائه.
7. توقيع من أنشأ الشيك (الساحب)
مع الاخذ بعين الاعتبار الاستثناءات على هذا الامر والمتعلقة بمكان الانشاء او مكان الوفاء، اعمالا لتلك المواد فن الشيك الموقع على بياض يفقد صفته كشيك، لخلوة من تلك البيانات الإلزامية، ولكن ما هو الحال لو ان الدائن قام بمليء تلك البيانات بنفسه او عن طريق الغير؟
ذكرت المادة السابقة ان الشيك يفقد صفته كشيك إذا خلا من أحد البيانات المذكورة سابقا، الا انها لم تحدد المدة الزمنية او الفاصل الزمني، بين اعتباره شيك او لا، بمعنى اخر متى يعتبر الشيك شيكا، هل بمجرد كتابة البيانات والاحتفاظ به بحيازة الساحب، ام ان الشيك يعتبر شيكا بمجرد التسليم والتداول، متى يبدا بطلان الورقة كشيك.
من الواضح بان الشيك يبدأ بترتيب اثارة من لحظة تسليمة إلى الدائن[47]، أي الخروج الفعلي الارادي من يد المدين وحيازته إلى يد الدائن، فاذا ما تم تسليم بيانته ناقصة فيفقد صفته كالشيك، ولكن ما هو الحال لو ان الدائن قام بمليء تلك البيانات؟
نميز هنا بينما امرين، ان المدين أجاز تلك التصرفات الصادرة من الدائن، او انه لم يجيزها، ففي الحالة الأولى فهي كأنها صدرت من الدائن نفسة اما في الحالة الثانية فإن القضاء وتحديدا المصري اعتبر ان المدين فوض الدائن بمليء وتكملة تلك البيانات بأحكام متفرقة[48] منها الحكم الصادر 10/3/1974)، كذلك حكم اخر[49] افاد بي "ان توقيع الساحب للشيك على بياض دون ان يدرج فيه القيمة التي يحق للمستفيد تسلمها من المسحوب علية، او دون اثبات تاريخ به، لا يؤثر على صحة الشيك، مادام قد استوفى تلك البيانات قبل تقديمة للمسحوب علية، اذ ان إعطاء الشيك الصادر لمصلحته بغير اثبات القيمة او التاريخ، يفيد ان مصدرة قد فوض المستفيد بوضعه هذين البيانيين قبل تقديمة إلى المسحوب علية " ، وكذلك القضاء الاماراتي في احكام محكمة التميز التي سوق نتعرض لها في الفصل الأخير من هذا البحث.
يتبين من الاحكام السابقة، ان البطلان لا يقع عند التسليم وانما قبل تقديمة للمسحوب علية للصرف، ان ما يلاحظ على هذه الاحكام والحكم الأخير تحديدا، توسيع المدة الزمنية للبطلان فبدل من ان تقع عند التسليم للدائن تم مد تلك المدة الزمنية لحين التقديم للصرف مما يعني ان المدين قد يبقى بالتزامه طوال العمر وهذا مخالف لطبيعة الالتزامات المالية، حيث ان الدائن قد يبقى الشيك بحيازته ناقصا من تلك البيانات إلى اجل بعيدة ويبقى المدين مدين بالتزامه الذي قد يختلف بحسب ما قد يكمل الدائن من بيانات بهذا الشيك الغير مكتمل .
ولكن كيف او ما هو الأساس القانوني لهذا التفويض، بالرجوع لنصوص قانون المعاملات المدنية الاماراتي[50] نجد ان الوكالة اذا كانت الوكالة بلفظ عام لم يقترن بما يوضح المقصود منه فلا تخول الوكيل إلا أعمال الإدارة والحفظ، وأيضا أي[51] ، كل عمل ليس من أعمال الإدارة والحفظ يستوجب توكيلا خاصا محددا لنوع العمل وما تستلزمه الوكالة فبه من تصرفات، كذلك تثبت للوكيل بمقتضى عقد الوكالة، ولاية التصرف فبما يتناوله التوكل دون أن يتجاوز حدوده إلا فبما هو أكثر نفعا للموكل[52]، مما سبق يتضح يجب ان يكون التوكيل محددا وصادرا صريحا من المدين، وان لا يكون فيه الا مصلحة للمستفيد، وبالتالي فإن عدم ملئ البيانات او تكملتها بطريقة تضر بالمدين هو خروج عن مبدا التوكيل والتفويض، وتأخير تقديم الشيك للصرف بوضع تاريخ لاحق قد يكون بعد مرور سنين عديدة هوه خروج عن مدد التقادم التي نص عليها القانون، مما يؤدي إلى الاضرار بالمدين، وعلية فلا نتفق مع ما ذهبت الية الاتجاهات القضائية من اعتبار الشيك على بياض هو تفويض، ونضيف لو ان الاتفاق بين الطرفين كان على تاريخ معين ومبلغ معين، وقام الدائن بتكملة بيانات مغايرة لما تم الاتفاق علية فهل نكون امام جريمة خيانة امانة .
وقد ذهب القاء الاماراتي في بعض أحكامه إلى ما ذهبنا الية حيث ان محكمة نقض ابوظبي حكمت ب[53]"مؤدى ذلك ان يلزم لقيام جريمة الشيك ان يتوافر فيها عنصر من العناصر التي جرمها القانون والا فيفقد الحماية التي اشترطها لسلامة شكلة وهي ان يتضمن :
1. امر المسحوب علية بالدفع.
2. توقيع الساحب.
3. اسم المستفيد
4. قيمة المبلغ
5. تاريخ الوفاء، والموضوعية وهي:
1. ان يكون ساحب الشيك كامل الاهلية (بالغا السن القانونية متمتعا بقوة العقلية).
2. راضيا بتصرفه بان يقوم بتحرير الشيك برضاة من دون عيب أكراه او تدليس.
فاذا ما افتقد الشيك أيا من الشروط السالف بيانها بان خلا من المبلغ او تم فيه الجمع بين صفتي الساحب والمستفيد، او بين صفتي المستفيد والمسحوب علية او خلا من الامر بالدفع لدى الاطلاع علية او إذا حمل تاريخين مختلفين او خلا من توقيع الساحب او كان مزورا علية، فإنه يفقد عنصر الحماية القانونية المقررة بالمادة 401/1 سالفة البيان ".
الحكم أعلاه يتفق مع ما ذهبنا الية، فكون العقوبة مقررة على الشيك، وان المحكمة بحكمها السابق افقدت الشيك هذه الحماية المقررة له لتخلف بعض او كل البيانات الإلزامية، فإنها تقر بانه ليس شيكا او انما سند اخر لا يتوافر له الحماية الجزائية، وهذا يتوافق مع صراحة النصوص القانونية بقانون المعاملات التجارية واتفاقية جنيف لإصدار قانون موحد للشيك.
وبالتالي فإن المدين الذي يسلم شيكا، ناقص البيانات إلى الدائن هو شيك باطل نظرا لان فعل الاعطاء تم وهو ناقص لتلك البيانات، وان التفويض بمليء تلك البيانات يجب ان يكون صريحا ومحددا وان يلتزم الدائن بتعليمات المدين بتكملة البيانات الناقصة، واي خروج على تلك الوكالة او تجاوز حدودها يلزم إجازة المدين لتصرفات الدائن، مما يعني بالتبعية ان تلك الورقة لا تعد شيكا والباطل لا يرتب اثرا، وموضع الاثبات ليس محل بحث وانما يخضع للقواعد العامة للأثبات وجود هذا التفويض من عدمه.
ونضيف أخيرا، قد يكون العمل على اخراج الشيك عن طبيعته بشكل واضح وصريح، او قد يكون بشكل ضمني، يوجب ان يكون القضاء والفقه والمشرع جنبا إلى جنب يقفون للتأكيد على هذه الوظيفة وحرمان أي شخص يرغب بالتلاعب بهذه الوظيفة لأجل أغراض فردية، وزيادة ضمانات لم يكفلها القانون له، بان يفقد الشيك قيمته الجزائية والقانونية حتى لا يتسنى لهم التلاعب بهذه الأداة، ومن المرتكزات المهمة هو مدد التقادم التي وضعها القانون والتي رأى فيها انها اكثر عدلا وتطبيقا لمبادئ العدالة واستقرار الحقوق، وان ترك الامر على غالبة وترك الامر بيد الدائن وضع مثلا تاريخ على الشيك بالوقت الذي يراه هو مناسبا، والذي قد يمتد العقود فهذا ينافي ابسط حقوق العدالة، وعلية نأكد ان تاريخ البطلان يسري من تاريخ التسليم لا من تاريخ المبين على صدر الشيك والذي ق يكون من صنيعة الدائن .
ثانيا: الشيك المكتمل البيانات والمرفق بعقد او بمستند يثبت انه تم تحريره بغرض تنفيذ التزام.
أولا هذا الموضوع يتطلب البحث بالسبب، اشترط القانون ان يكون لكل التزام سبب[54]، وهو الغرض المباشر المقصود من التعاقد، وان يكون موجودا وصحيحا ومباحا وغير مخالف للنظام العام والآداب[55]، وعلية فإن السبب بالشيك هو الالتزام الأصلي، الذي انشا الشيك لتحقيقه، والوفاء بالتزاماته، ويعبر عنها باصطلاح وصول القيمة[56]، وبالتالي فإن ما بني على باطل فهو باطل، والباطل ينشئ العدم، وعلية فإن جميع التصرفات التي تبنى على باطل فهي معدومة وتبطل تباعا، مع الوضع في الاعتبار الطرف حسن النية.
والقانون يفترض مشروعية السبب، مالم يثبت العكس[57]، وبالتالي عبئ اثبات السبب وعدم مشروعيته يقع على عاتق المدين، ويجوز ذكر السبب في الشيك او في مستند مستقل، وعلية فإن الشيك يتصل بسبب أنشائه ولو كان بمستند مستقل، حيث ان الشيك نشأ عن ذلك الالتزام سواء اكان تبرعا او بعوض، الا ان هذا الامر قد يتعارض مع مبدأ الكفاية الذاتية للشيك، وهذا امر يتداخل مع السبب ومدى صلاحية الاحتجاج بعدم مشروعية السبب، او مختلف التصرفات التي قد ترتبط بالسبب.
ان مبدأ الكفاية الذاتية للشيك، سببه هو ان الشيك بمجرد توافر بياناته التي تطلبها القانون، فلا حاجة لأي طرف لان يقدم المزيد من الاثباتات او الاعمال لصرف الشيك، فالشيك قائم بذاته بمجرد توافر تلك البيانات، فالمسحوب علية يجب عليه صرف الشيك فيما اذا قدم للصرف، والمستفيد قد يظهره للغير الذي يقبل به للوفاء بالتزامه للمدين الأصلي المستفيد، ولا يتصور ان يبحث المسحوب علية او الحامل، او المستفيدين من السبب الحقيقي لتحرير الشيك، او نوع العلاقة الاصلية بين الساحب والمستفيد، وذلك تيسيرا للمعاملات الاقتصادية والمالية، التي شرع الشيك لأجلها، وبالتالي يجب ان تقدر الأمور بمقاديرها، ولا يأخذ هذا المبدأ على اطلاقة وخصوصا بين المستفيد والمدين الأصلي، حيث انهما من انشاء هذه العلاقة ونفذاها عن طريق الشيك .
وبناء على ما سبق، يستطيع المدين الاحتجاج بعدم مشروعية السبب، ومخالفته للنظام العام والآداب، او ان سبب الالتزام كان غير موجود، وذكرنا في مواضع سابقة بان وظيفة الوفاء بالشيك، هي مرتبطة بالنظام العام للدولة، وبمصالح الافراد العليا، وان كان الشيك بطبيعته ينظم علاقات مالية فردية، الا انه يمس النظام العام للدولة والاقتصادي منها على وجه التحديد، والمشرع شرعة ليكون أداة وفاء بمجرد الاطلاع او أداة وفاء لمدة قصيرة الاجل، -كما ذهب المشرع الاماراتي – وبالتالي فإنه اذا تم ذكر ان الشيك هو بقصد الضمان، لالتزام معين نشا بين اطراف الالتزام، فإن مثل هذا الاتفاق يعني ان الأطراف توافقا على مخالفة النظام العام، وبالتالي يعتبر اتفاقهما باطل، ويترتب على هذا البطلان ان يبطل الاتفاق ويصح الشيك ويبقى كأداة لتنفيذ الالتزام .
وهذا امر بديهي، حيث ان الأطراف عندما تعاقدا على تنفيذ عقد معين، فإن القانون اعطى كلا منهما الحرية بالتعاقد بظل جميع الضمانات التي وفرتها نصوصه، ولا يتصور ان يلجأ إلى مخالفة القانون لتنفيذ عقد ويبقى ذلك العقد صحيحا، او ان يبطل ذلك الجزء المخالف من العقد، وإذا اضفنا بان الجهل بالقانون لا يمنع تطبيقه، وبالتالي فعذر أطراف الالتزام بعدم معرفتهم لوظيفة الشيك انه أداة وفاء مرتبط بالنظام العام، لا يعني السماح لهم بمخالفة ذلك الامر، او احتجاجهم وتمسكهم بان الشيك هو أداة ضمان وعليه فالمقصر أولى بالخسارة.
وبناء على ما تقدم فإن الشيك يبقى أداة وفاء، ولو اتفق صراحة على ان الشيك موضوع النزاع هو أداة ضمان، طالما ان الشيك مرتبط بالنظام العام والآداب
الفصل الثالث
التنظيم التشريعي للشيك بقانون المعاملات التجارية الاماراتي وصور التطبيق القضائي بأحكام المحاكم الإماراتية
يقسم هذا الفصل إلى:
المبحث الأول: الشيك في قانون المعاملات التجارية الاماراتي.
المبحث الثاني: احكام المحاكم الإماراتية
المبحث الأول
الشيك في قانون المعاملات التجارية الاماراتي
نظم المشرع الاماراتي الشيك بنصوص قانون المعاملات التجارية في الباب الثالث وافرد له المواد من 595 إلى 644، نظرا لطبيعة البحث فإننا سوف نتعرض للنظام القانوني للشيك في دولة الامارات العربية المتحدة من بعض الوجوه، وخاصة تلك التي تميز بها المشرع الامارات يعن غيرة من المشرعين العرب، وسوف نتعرض إلى بعض الجزئيات التي تعد محل خلاف فقهي وقضائي في بعض الأحيان، وندرجها كالاتي:
2. اتحاد صفة المستفيد والمسحوب علية.
أولا : الخروج على مبدأ الشيك مستحق الدفع بمجرد الاطلاع
من اهم خصائص التي تميز الشيك بأنه أداة وفاء، انه مستحق الدفع بمجرد الاطلاع، وهذا ما نصت علية اتفاقية جنيف[59]، وهذا ما ذهب الية غالبية المشرعين العرب، ولكن هل وجود هذه المادة يحول الشيك إلى أداة ائتمان، ام انه طبيعته كأداة وفاء ماتزال قائمة؟
كما اسلفنا بتعريفنا للضمان هو عكس الخوف وهو الأمان، وبالتالي فإن الضمان او الائتمان باستخدام الشيك لزيادة ضمانات تنفيذ الالتزام، هو اتفاق صريح او ضمني على تحويل الغرض من الشيك، من أداة وفاء إلى ضمان بقصد التهديد وبالتالي حمل المدين على تنفيذ التزامه، الا انه اذا اتجهت إرادة المدين والدائن على تنفيذ الالتزام والوفاء به فلا يعيب الشيك كأداة وفاء اعتماد التاريخ الظاهر علية ، وان كان صعوبة اثبات ذلك محل نظر وذلك لصعوبة اثبات وتحري إرادة الأطراف الحقيقة على الغرض من استخدام الشيك، الا ان الأصل ان الشيك يبقى أداة وفاء مع وجود هذه المادة .
ونرى ان المشرع الاماراتي قد أصاب من جهة انه، أدرك حاجة المجتمع الاقتصادي بالدولة وتعدد الجنسيات، والتطور الاقتصادي وتشعبه واتساعه، إلى الخروج عما ذهب الية غالبيه المشرعين، وذلك بانه لا يجوز تقديم الشيك للوفاء الا بالتاريخ الظاهر علية كموعد للوفاء، مما له دور كبير بانتعاش الحياة الاقتصادية، والسرعة بتنفيذ الالتزامات، مما يدع الاقتصاد الوطني ككل.
الا ان الوجه السلبي لاعتبار التاريخ الظاهر على الشيك موعدا للوفاء بالشيك، ان الشيك قد يثقل المدين بالتزامه فيبقى ملتزما به طوال العمر، ذلك ان المشرع الاماراتي لم يحدد سقف او مدة زمنية معينة يجب ان يكتب بها الشيك، ونضرب مثلا لو ان طرفا التزام قام المدين به بتحرير شيك بناءا على طلب الدائن بتاريخ 2030 ونحن بسنة 2013، فهل هذا يعني ان المدين يبقى ملزما بالتزامه إلى ان يتقادم الشيك بسنة 2035، وهذا خروج على النصوص القانونية التي يتقادم بها دعوى المطالبة بالحق كما نظمها قانون المعاملات المدنية في المواد بين 473-483، وهي 15 عشر سنة .
هل تحتسب مدة التقادم من تاريخ الشيك، او من تاريخ إقرار المدين بالدين الناشئ عن الالتزام الأصلي، ويجيب قانون المعاملات المدنية على ذلك ب"تبدأ المدة المقررة لعدم سماع الدعوى بمرور الزمان من البوم الذي يصبح فيه الحق مستحق الأداء ومن وقت تحقق الشرط إذا كان معلقا على شرط ومن وقت ثبوت الاستحقاق في دعوى ضمان الاستحقاق.[60]"،يقهم من هذه المادة بان الدائن له الحق بوضع التاريخ الذي يتناسب معه، او يتفقا علية مع المدين ولو كان بعد عدة سنون، ذلك انه لا يوجد مانع يمنع من ذلك بحسب نصوص القانون الاماراتي، الا ان للمدين الحق باللجوء إلى تطبيق نصوص نظرية التعسف باستعمال الحق، اذا توافرت شروطها .
وعلية ننهي هذا الموضوع بان المشرع الاماراتي، يسر وسهل المعاملات الاقتصادية الا انه ترك الباب مواربا، امام البعض لاستخدام الشيك كإدة ضمان من جهة وانه أرهق المدين من جهة أخرى بعدم وضع سقف زمني لكتابة تاريخ الشيك تحته.
ثانيا: اتحاد صفة المستفيد والمسحوب علية.
ذهب المشرع الاماراتي إلى ان الشيك يجب ان تتوافر فه بيانات الزامية[61]، ومنها أطراف الشيك اسم من يلزم الوفاء لأمره المسحوب علية، واسم من يجب الوفاء الية وهو المستفيد، وتوقيع الساحب، أي ان الشيك علاقة تتكون من ثلاث أطراف، وهي من البيانات الإلزامية التي يؤدي تخلفها إلى ان يفقد الشيك صفته كشيك،
والسؤال الذي يثور هنا فيما إذا اتحدت صفة المسحوب علية والمستفيد، هل يفقد الشيك حجيته كونه شيك ويتحول إلى مستند او صك اخر؟
لقد ذهب المشرع الاماراتي إلى النص على ان الساحب يستطيع ان يسحبه لنفسه، أي ان يكون المستفيد في الشيك[62] "1-يجوز سحب الشيك لأمر ساحبه نفسه. 2-ويجوز سحبه لحساب شخص آخر. 3-ولا يجوز سحبه على ساحبه نفسه الا في حالة سحبه بين فروع المصرف الواحد بعضها البعض او بينه ا وبين المركز الرئيسي للمصرف، ويشرط الا يكون الشيك المسحوب مستحق الوفاء لحامله.”، وعلية فإن المشرع الاماراتي قد حسم الامر بخصوص اتحاد صفة الساحب والمستفيد، ولا يوجد نص مقارب لهذا النص بخصوص اتحاد صفة المسحوب علية والمستفيد، مما يدل على ان المشرع استثنى بنص المادة 604 من الأصل الذي يتطلب وجود ثلاث اطراف بالشيك اتحاد صفة الساحب والمستفيد فقط بحسب نص المادة 604، ومثل هذا الاستثناء لم يطال المسحوب علية والمستفيد، ومن جانب اخر لا يتصور بكون الساحب والمستفيد نفسة ان تترتب عقوبة جنائية كون الساحب نفسة، وان عدم توافر الرصيد لا يؤدي في قيام جريمة اصدار شيك بدون رصيد كون الساحب والمستفيد شخصا واحدا، فواقعيا لا يمكن ان تقع مثل هذه الجريمة بهذه الحالة .
غالبا وبعد اتساع الإقراض البنكي، وما سارت علية البنوك في دوله الامارات، من استكتاب كل مقترض سواء بقرض شخصي او بطاقة اقتراض ائتمانية، إلى استكتاب المقترض على شيك اما على بياض، او بقيمة القرض مسحوب على البنك نفسه او على بنك غيرة، وهذا الامر يقصد يه زيادة ضمانات القرض وليس استيفاء قيمة القرض، ذلك ان الشيك أداة وفاء وليست ضمان، الا ان ما يعنيا بهذا القسم هو اتحاد تلك الصفة هل تبقي الشيك محميا بالنصوص القانونية، اتجه الفقه بهذا الصدد، إلى اعتبار ان الشيك بهذه الحالة يفقد قيمته كشيك ويتحول إلى صك عادي، وبالتالي لا تترتب علية ما يترتب على الشيك من عقوبة ونصوص أخرى افردها القانون لحماية الشيك، ويذهب هذا الاتجاه إلى ان الشيك يربط علاقة ثلاثية بين ثلاثة اطراف مالم ينص القانون على غير ذلك، وبما ان المستفيد والمسحوب علية طرفا واحدا فإن الشيك بهذه الحالة فقد الطرف الثالث في العلاقة، كما يذهب هذا الاتجاه إلى ان النصوص الجنائية هي نصوص استثنائية لا يجوز التوسع في تفسيرها . كما يضاف إلى ان البنوك قد تنص على انها اخذت من المستفيد على سيبل الضمان[63].
وهذا ما ذهبت الية محكمة نقض ابوظبي بحكمها الاتي "[64]"مؤدى ذلك ان يلزم لقيام جريمة الشيك ان يتوافر فيها عنصر من العناصر التي جرمها القانون والا فيفقد الحماية التي اشترطها لسلامة شكله وهي ان يتضمن:
1. امر المسحوب علية بالدفع.
2. توقيع الساحب.
3. اسم المستفيد
4. قيمة المبلغ
5. تاريخ الوفاء، والموضوعية وهي:
1. ان يكون ساحب الشيك كامل الاهلية (بالغا السن القانونية متمتعا بقوة العقلية).
2. راضيا بتصرفه بان يقوم بتحرير الشيك برضاة من دون عيب أكراه او تدليس.
فاذا ما افتقد الشيك أيا من الشروط السالف بيانها بان خلا من المبلغ او تم فيه الجمع بين صفتي الساحب والمستفيد، او بين صفتي المستفيد والمسحوب علية او خلا من الامر بالدفع لدى الاطلاع علية او إذا حمل تاريخين مختلفين او خلا من توقيع الساحب او كان مزورا علية، فإنه يفقد عنصر الحماية القانونية المقررة بالمادة 401/1 سالفة البيان ".
وعلية فإننا نرى ما اتجه الية هذا الفقه من ان الشيك الذي اتحدت به صفه المصحوب علية والمستفيد فإنه لا يصلح ان يكون شيكا، ذلك ان القانون تطلب ثلاثة أطراف للشيك، واستثناء على ذلك نص على جواز اتحاد صفة المستفيد والساحب ببعض الحالات، ولم يقرر هذا الاستثناء للمسحوب علية والمستفيد.
المبحث الثاني
احكام المحاكم الإماراتية
نذكر بهذا المبحث اهم المبادئ القانونية التي استقرت عليها محاكم التميز والقضاء في دولة الامارات العربية المتحدة:
أولا: تحقق جريمة اصدار شيك بدون رصيد مناطة، لا عبرة بالأسباب والبواعث التي دعت صاحب الشيك إلى اصدارة محكمة تميز دبي جلسة 9/4/2005)[65]"جريمة الشيك تتحقق بمجدر إعطاء الشيك إلى المستفيد مع علمه بان ليس له رصيد قائم وقابل للسحب في تاريخ الاستحقاق اذ يتم طرح الشيك بذلك في التداول بدون رصيد فتنعطف علية الحماية القانونية باعتباره أداة وفاء تجري مجرى النقود، ولا عبرة بالبواعث والأسباب التي دفعت بصاحب الشيك إلى إصدارها، لأنها لا اثر لها على المسؤولية الجنائية، وسء النية في جريمة اصدار شيك بدون رصيد تتحقق بمجرد على الساحب انه وقت اصدارة لم يكن له مقابل وفاء، وهو علم مفترض في حق الساحب ".
ثانيا: التوقيع على بياض، توقيع الساحب للشيك على بياض دون ادراج قيمته، او تاريخه، مفاده تفويض من أصدره المستفيد في وضع هذين البيانيين قبل تقديمة للبنك، وعبء اثبات خلاف ذلك، يقع على عاتق من يدعيه.
(القاعدة رقم 76-جلسة 13/12/2003) [66]"ان توقيع الساحب الشيك على بياض دون ان يدرج قيمته او تاريخه، لا يؤثر على صحة إصدار الشيك اذ ان إعطاء الشيك على هذه الصورة يقيد في ظاهرة ان من أصدره قد فوض المستفيد في وضع هذين البيانين قبل تقديم الشيك، وينحسر عنه بالضرورة عبء اثبات هذا التفويض وطبيعته ومداه، وينتقل عبء الاثبات إلى من يدعي خلاف هذا الظاهر"
ا(لقاعده رقم 43-جلسه 28/06/2003)[67]"من المقرر ان الشيك مادام قد استوفى الشكل الذي تطلبه القانون، لكي تجري الورقة مجرى النقود، فإنه يعد شيكا بالمعنى المقصود به في المادة 401 عقوبات، وتوقيع الساحب للشيك على بياض دون ان يدرج فيه القيمة، او دون اثبات التاريخ به، لا يؤثر على صحة الشيك او اعتباره شيكا بالمعنى الذي قصدة القانون مادام الشيك قد استوفى تلك البيانات قل تقديمة للمسحوب علية، اذ ان إعطاء الشيك الصادر لمصلحته بغير اثبات القيمة او التاريخ، يفيد بان مصدرة قد فوض المستفيد في وضع هذين البيانيين قبل تقديمة للمسحوب علية، وينحسر عنه بالضرورة عبء اثبات وجود هذا التفويض وطبيعته ومداه، وينتقل هذا العبء إلى من يدعي غلاف ذلك "
ثالثا: الوفاء المبرء للذمة: يعتبر الوفاء بالشيك النهاية الطبيعية له التي تنتهي بها دورة الشك التجارية، ويعتبر تاريخ ابراء الساحب المدين بالشيك هو تاريخ قبض الشيك من المصرف لا تاريخ تسلمه الشيك[68].
(تميز دبي جلسة 17-1-2010 الطعن رقم 33 لسنة 2009 تجاري) "من المقرر وعلى ما جرى علية قضاء هذه المحكمة ان الشيك وان اعتبر في الأصل أداة وفاء الا ان مجرد سحب الشيك لا يعتبر وفاءا مبرئا لذمة صاحبة ولا ينقضي التزامه الا بقيام المسحوب عليه بصرف قيمة الشيك للمستفيد ".
وحتى يكون الوفاء صحيحا مبرا للذمة، يجب ان يسترد الساحب الشيك من المستفيد، فاذا اوفى دون ان يسترده، فلا يمنع ذلك المستفيد من رفع دعوى الشيك بدون رصيد. وتطبيقا للك قضت محكمة تميز دبي في[69]:
(تمييز دبي جلسة 10-7-2005، الطعن رقم 2002 لسنة 2005 جزاء) "الوفاء بقيمة الشيك قبل تاريخ الاستحقاق لا ينفي توافر اركان الجريمة مادام الساحب لم يسترد الشيك من المستفيد "
الخاتمة
أولا : نتائج البحث
لقد خلصنا الى النتائج الاتية من البحث بموضوع الشيك بين الوفاء والضمان نذكرها على الوجه الاتي:
1. الشيك يبدأ بترتيب اثارة من لحظة تسليمة إلى الدائن[70]، أي الخروج الفعلي الارادي من يد المدين وحيازته إلى يد الدائن، فاذا ما تم تسليم بيانته ناقصة فيفقد صفته كالشيك.
2. المدين الذي يسلم شيكا، ناقص البيانات إلى الدائن هو شيك باطل نظرا لان فعل الاعطاء تم وهو ناقص لتلك البيانات، وان التفويض بمليء تلك البيانات يجب ان يكون صريحا ومحددا وان يلتزم الدائن بتعليمات المدين بتكملة البيانات الناقصة، واي خروج على تلك الوكالة او تجاوز حدودها يلزم إجازة المدين لتصرفات الدائن، مما يعني بالتبعية ان تلك الورقة لا تعد شيكا والباطل لا يرتب اثرا، وموضع الاثبات ليس محل بحث وانما يخضع للقواعد العامة للأثبات وجود هذا التفويض من عدمه.
3. اننا نرى بان وظيفة الوفاء هي مرتبطة بالنظام العام، والاتفاق على مخالفتها يعد اتفاق باطل سواء اكان اتفاقا صريحا او ضمنيا.
4. إذا اتحدت صفه المسحوب علية والمستفيد بالشك فإنه لا يصلح ان يكون شيكا، ذلك ان القانون تطلب ثلاثة أطراف للشيك، واستثناء على ذلك نص على جواز اتحاد صفة المستفيد والساحب ببعض الحالات، ولم يقرر هذا الاستثناء للمسحوب علية والمستفيد.
ثانيا: التوصيات
أولا: إن العمل على اخراج الشيك عن طبيعته بأنه أداة وفاء، وذلك من خلال الاتفاق الضمني او الصريح على اعتباره أداة ائتمان او ضمان، نوصي بان يفقد الشيك العقوبة الجزائية المقررة له، وان يتحول الى سند عادي بمقتضى نص قانوني صريح على ذلك، ونرى ان يقف المشرع موقفا واضحا للتأكيد على هذه الوظيفة وحرمان أي شخص يرغب بالتلاعب بهذه الوظيفة لأجل أغراض فردية، وزيادة ضمانات لم يكفلها القانون له، بان يفقد الشيك قيمته الجزائية والقانونية حتى لا يتسنى لهم التلاعب بهذه الأداة.
ثانيا: انه من المرتكزات المهمة هو مدد التقادم التي وضعها القانون والتي رأى فيها انها أكثر عدلا وتطبيقا لمبادئ العدالة واستقرار الحقوق، ونرى انه وبمقتضى المادة 617 من قانون المعاملات التجارية، بان الشيك يجب ان يقدم للصرف بحسب التاريخ الظاهر عليه، ان اعتبار التاريخ الظاهر على الشيك موعدا للوفاء بالشيك، ان الشيك قد يثقل المدين بالتزامه فيبقى ملتزما به طوال العمر، ذلك ان المشرع الاماراتي لم يحدد سقف او مدة زمنية معينة يجب ان يكتب بها الشيك، ونضرب مثلا لو ان طرفا التزام قام المدين به بتحرير شيك بناءا على طلب الدائن بتاريخ 2030 ونحن بسنة 2013، فهل هذا يعني ان المدين يبقى ملزما بالتزامه إلى ان يتقادم الشيك بسنة 2035، وهذا خروج على النصوص القانونية التي يتقادم بها دعوى المطالبة بالحق كما نظمها قانون المعاملات المدنية في المواد بين 473-483، وهي 15 عشر سنة ، ونوصي ان ينص صراحة على تحديد حد اقصى للتاريخ الذي يكتب على الشيك يحتسب من تاريخ نشؤ الالتزام .
ثالثا: ان ينص صراحة على الارتباط ما بين قانون العقوبات وقانون المعاملات التجارية، وان يشار صراحة في نصوص قانون العقوبات الى ان الشيك المجرم بنصوصه، هو ما نصت علية مواد قانون المعاملات التجارية الاماراتي.
المراجع
1. الدكتور حامد شريف، كتاب شيك الائتمان والوديعة والضمان بين النظرية والتطبيق، دار الفكر الجامعي 30 شارع سوتير الإسكندرية، طبعة 2011.
2. د. زهير عباس كريم، لنظام القانوني للشيك دراسة فقهيه قضائية مقارنه، كليه الحقوق جامعة فيلادلفيا، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان الأردن، الطبعة الأولى 1997.
3. المحاميان سمير الأزرق ومحمد سمير الأزرق، مجموعة المبادئ والقواعد القانونية التي أصدرتها محكمة تميز دبي في جرائم الشيك وخيانة الأمانة والنصب والاحتيال وتقليد العلامات التجارية والبضائع.
4. أ.د شريف محمد غنام محمد، العملي في الشيك في قانون وقضاء دولة الامارات العربية المتحدة، سلسلة الدراسات القانونية والقضائية -6 سلسلة علمية محكمة، الطبعة الأولى، 2011 .
5. المحامي صلاح الدين محمد شوشاري، جرائم الشيك في قانون العقوبات، الطبعة 2005.
6. د. عبد الرزاق السنهوري، مصادر الحق في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة بالفقه الغربي، مكتب التحقيق بدار احياء الفقه العربي بيروت لبنان، الجزء الثالث.
7. د علي جمال الدين عوص، كتاب الشيك في قانون التجارة وتشريعات البلاد العربية تأليف، دار النهضة العربية 32 شارع عبد الخالق ثروت – القاهرة، الطبعة الثالثة ،2009 .
8. ا د. غالب علي الداوودي، المدخل إلى علم القانون ، دار وائل للنشر عمان الأردن 2004 .
9. أ.د فوزي محمد سامي، الأوراق التجارية في قانون دولة الامارات العربية المتحدة، مكتبة الجامعة ،2013
10. ميراندا زغلول رزق، كتاب النقود والبنوك، جامعة بنها التعليم المفتوح كلية التجارة، 2008-2009
11. قانون المعاملات المدنية الاتحادي رقم 5/1985 العربية المتحدة المادة
12. قانون العفويات الاتحادي رقم 3-1987 الامارات العربية المتحدة
13. اتفاقية بإصدار قانون موحد للشيكات جنيف 1931
14. قانون المعاملات التجارية الاتحادي رقم 18/1993،الامارات العربية المتحدة .
15. معجم مختار الصحاح
16. احصائيات البنك المركزي الاماراتي ([1] IMAGE CHEQUE CLEARING SYSTEM (ICCS) REPORT (2012)) الرابط الإلكتروني(http://www.centralbank.ae/index.php?option=com_content&view=article&id=101&Itemid=89)
[2] الدكتور حامد شريف، كتاب شيك الائتمان والوديعة والضمان بين النظرية والتطبيق، دار الفكر الجامعي 30 شارع سوتير الإسكندرية، طبعة 2011، صفحة 55
[4] ميراندا زغلول رزق، كتاب النقود والبنوك، جامعة بنها التعليم المفتوح كلية التجارة، 2008-2009 صفحة7
[13] المرجع السابق صفحه 66
[14] د علي جمال الدين عوص، كتاب الشيك في قانون التجارة وتشريعات البلاد العربية تأليف، دار النهضة العربية 32 شارع عبد الخالق ثروت – القاهرة، الطبعة الثالثة ،2009 صفحة 23
[15] أ.د فوزي محمد سامي ،الأوراق التجارية في قانون دولة الامارات العربية المتحدة ،مكتبة الجامعة ،2013،صفحه 28
[16] ا د. زهير عباس كريم ،لنظام القانوني للشيك دراسة فقهيه قضائية مقارنه ،كليه الحقوق جامعة فيلادلفيا ،مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع ،عمان الأردن ،الطبعة الأولى 1997 الصفحة 33
[35] 1د. عبد الرزاق السنهوري ،مصادر الحق في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة بالفقه الغربي، مكتب التحقيق بدار احياء الفقه العربي بيروت لبنان ، الجزء الثالث صفحة 59
[38] د. عبد الرزاق السنهوري، مصادر الحق في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة بالفقه الغربي ،مرجع السابق ،صفحه 59
[53] ا أ.د شريف محمد غنام محمد ، العملي في الشيك في قانون وقضاء دولة الامارات العربية المتحدة ،سلسلة الدراسات القانونية والقضائية -6 سلسلة علمية محكمة، الطبعة الأولى ، 2011 ،صفحة 186
[64] أ.د شريف محمد غنام محمد ، العملي في الشيك في قانون وقضاء دولة الامارات العربية المتحدة ،صفحة 186
[65]للمحاميان سمير الأزرق ومحمد سمير الأزرق ،مجموعة المبادئ والقواعد القانونية التي أصدرتها محكمة تميز دبي في جرائم الشيك وخيانة الأمانة والنصب والاحتيال وتقليد العلامات التجارية والبضائع. صفحة 12
[68] أ.د شريف محمد غنام محمد ، العملي في الشيك في قانون وقضاء دولة الامارات العربية المتحدة صفحة 129
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق